فخر الدين الرازي
177
تفسير الرازي
النوع الأول : أن النصارى يقولون : أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله * ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) * لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب . والنوع الثاني : أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول : إن عيسى روح الله وكلمته ، فهذا يدل على أنه ابن الله ، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي ، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز ، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات ، فوجب رده إلى التأويل ، وذلك هو المراد بقوله * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات ) * ( آل عمران : 7 ) فظهر بما ذكرنا أن قوله * ( الحي القيوم ) * إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له ، وأما قوله * ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم ، وقوله * ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) * جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة ، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً لله ، وأما قوله * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) * ( آل عمران : 7 ) فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته ، ومن أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب ، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب ، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث ، فقال : * ( لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) * فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب ، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلهاً فإن الإله لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز ، وكامل العلم وهو الحكيم ، وبقي في الآية أبحاث لطيفة ، أما قوله * ( لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * فالمراد أنه لا يخفى عليه شيء . فإن قيل : ما الفائدة في قوله * ( في الأرض ولا في السماء ) * مع أنه لو أطلق كان أبلغ . قلنا : الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السماوات والأرض أقوى ، وذلك لأن الحس يرى عظمة السماوات والأرض ، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله